يظل التراث هو الينبوع الإبداعي الذي ينهل منه الفنانون الإماراتيون، ولعل تطور الفنون في العصر الحديث حفز الكثير من الفنانين في إنجاز لوحات وصناعة تكوينات جمالية بشكل يتفق مع روح العصر، ما يمنح اللوحة الكثير من الرؤى الإبداعية؛ إذ لا تصبح مجرد نقل لمفردات التراث؛ بل وكذلك مشبعة بالجوانب الفكرية.
تُعد الفنانة شيخة حمد المغاور واحدة من المبدعات الإماراتيات اللواتي يعتمدن فلسفة الدمج بين الجذور التراثية واللغة البصرية المعاصرة؛ إذ تسعى إلى نقل الثقافة الإماراتية إلى العالم بأسلوب فني يجمع بين الأصالة والابتكار التقني. كما تمزج في أعمالها بين الرسم اليدوي والتقنيات الرقمية الحديثة لتقديم تجارب بصرية تتلاقى فيها فنون مختلفة كالموسيقى والضوء. وفي اشتغالاتها التراثية، يرتكز أسلوبها على استحضار الرموز الوطنية والذاكرة الشعبية مع إعادة صياغتها برؤية عصرية، تجعل من اللون «لغة» ومن الفراغ «مساحة للحلم»؛ حيث تتميز أعمالها بالعمق والشاعرية في اختيار الدرجات اللونية التي تخدم القصة الكامنة وراء كل عمل، معتمدة في تكويناتها على «الخيال»، واصفة إياها؛ أي أعمالها، بأنها تقاطع حيّ بين الضوء والذاكرة
تُعد لوحة «الصقار» واحدة من أبرز الأعمال الفنية لشيخة المغاور؛ و تتجلى فيها براعتها في تناول التراث برؤية معاصرة. يعمق هذا العمل الإبداعي فكرة الموروث عبر تحشيد اللوحة برؤى فكرية تخدم البعد الجمالي بشكل خلاق ومبتكر، كاشفاً عن أن التراث هو الهوية والسمات الأصيلة المرسومة في الوجوه.
تفاصيل
تصوّر اللوحة طفلاً صغيراً يحمل صقراً؛ لتجسد براءة الطفولة الممتزجة بأصالة التراث الإماراتي. يظهر الطفل في هذا المشهد بصفته وريثاً قادماً للقيم الثقافية، بينما يقف الصقر رمزاً شامخاً للفخر والقوة والشجاعة. وفي حين يبرز الصبي والصقر بوضوح تام، نجد أن جسد الأب الذي يحمل الصغير لا يظهر كاملاً، بل تكتفي الفنانة بإظهار يده وفي ذلك دلالة عميقة بأن الرهان الحقيقي يكمن في الجيل الجديد لاستمرارية الهوية، بينما ينسحب الأب إلى الخلف كرمز للدعم والسند.
إن ظهور جزء بسيط من جسد الوالد يرمز لكونه مُمكّناً وناقلاً للموروث؛ فالأب هنا لا يزاحم الحاضر؛ بل يقدم «يد العون» التي ترفع الجيل الجديد ليتصل برمزه التراثي «الصقر»، كجسرٍ بين الماضي والحاضر. لقد تعمدت الفنانة حصر المشهد في الطفل والصقر لخلق وحدة موضوعية قوية، محوّلةً الأب إلى «يدٍ» تجرده من صفته الشخصية ليصبح رمزاً للأجيال السابقة كافة التي تدفع أبناءها نحو التمسك بالأصالة.
أمانة التاريخ
تعكس اللوحة نشاطاً وممارسة اجتماعية وفنية ورياضية تُعرف بـ «الصقارة»، وهي تقليد عريق في دولة الإمارات يُحتفى به في المحافل الكبرى. ومن هذا المنطلق، تسلط اللوحة الضوء على تعليم الصقارين الصغار منذ نعومة أظفارهم؛ لغرس الثقة بالنفس والحفاظ على الهوية الوطنية. اللوحة مرسومة يدوياً بالكامل، حيث تبرز الألوان تفاصيل الموروث الإماراتي بدقة، كملامح الطفل وتفاصيل برقع الصقر. وتتجاوز هذه اللوحة كونها مجرد تصوير تراثي؛ فهي تقدم رؤية مفادها بأن الحداثة لا تمحو التراث؛ بل تمنحه أبعاداً جديدة، حيث حوّلت الفنانة المشهد التراثي من مجرد توثيق بصري إلى حالة شعورية تتسم بالهيبة والشموخ. تنبثق الفلسفة الكامنة في هذا العمل من مفهوم «الاستمرارية»؛ فالصقّار هنا ليس مجرد عارض لمهارة الصيد؛ بل هو رمز لجيل يحمل أمانة التاريخ.
تُبرز اللوحة قدرة الفنانة الفائقة على المزاوجة بين الدقة الهندسية والتدفق الفني، معتمدة على ألوان دافئة تحاكي تدرجات رمال الصحراء وشروق شمسها. هذا التناغم اللوني يخلق حالة من الألفة بين المشاهد واللوحة، وكأن العمل يبعث دفئاً حقيقياً في المكان. ويظهر التباين بين النور والظلال بشكل يبرز التفاصيل الدقيقة للملابس، ما يعطي عمقاً «نحتيّاً» للشخصية ويمنحها حضوراً طاغياً داخل الكادر؛ إذ تمتاز اللوحة بأسلوب يجمع بين الواقعية في رسم التفاصيل، مثل ريش الصقر وتفاصيل البرقع، وبين التعبيرية في نقل المشاعر؛ فلحظة سكون الصبي ونظراته ليست إلا حواراً صامتاً يبرز عظمة الموروث.